السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

86

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

له وإلزاما للحجة عليه ، وهؤلاء حكى اللّه عنهم أولا بأنهم لم يزالوا على كفرهم حتى تأتيهم البينة الموجودة في كتبهم ، ثم أخبر اللّه جل شأنه عن الواقع بقوله ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) فيكون المعنى أن الذي وقع منهم قبل بعثة الرّسول مخالف لما ادعوه بعد مجيئه ، فلا مناقضة بين الآية الأولى القائلة لم يكن الّذين كفروا من الفريقين منفكين عما هم عليه من الكفر حتى يأتيهم الرّسول وحتى في الآية لانتهاء الغاية ، فتقضي أنهم انفكوا عن كفرهم عند إتيانه وهو خلاف الواقع ( ولا في الآية الثانية ) لأنها تفيد أنه لم يحصل التفرق إلّا بعد مجيئه على ما أوضحناه لك آنفا فلا مناقضة من حيث الظّاهر ولا من حيث المعنى البتة . قال الواحدي هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا . وهذا الذي جرينا عليه أحسن الأقوال في هاتين الآيتين ، ولا يستقيم النظم الكريم على خلافه ، ولا يصح معناه إلّا به ، واللّه أعلم ، وهو ولي التوفيق قال تعالى « وَما أُمِرُوا » هؤلاء الكفار قبل بعثة الرّسول محمد عليه السّلام وبعدها « إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ » وحده « مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » متبرءين من الشرك والرّياء قلبا وقالبا لسانا ونية . مطلب المراد بالإخلاص وأهل الكتابين والمشركين وغزوة بن النّضير وسبب إسكان اليهود في الحجاز : والمراد بالإخلاص هنا هو أن يأتي المكلف بالشيء الحسن لحسنه ، والواجب لوجوبه ، وينتهي عن القبيح لقبحه والسّيء لسوئه ، ويفعل كما أمر اللّه رغبة فيه ، وينتهي عن كلّ ما نهاه كراهية فيه وطاعة للّه تعالى . روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم . لأن الإسلام اللّساني لا قيمة له ، والمعوّل على ما في القلب عند اللّه القائل ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) الآية 38 من سورة ق ج 1 والقائل أيضا ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) * الآية 22 من سورة الرّعد المارة . وجاء عنه صلّى اللّه عليه وسلم في حديث صحيح طويل : التقوى هاهنا - كررها ثلاثا - مشيرا إلى صدره الشّريف أي ليست التقوى بشقشقة اللّسان ، ولا بالأعمال الظّاهرة ، بل